مشونش بلدية بولاية بسكرة.تقع على حافة الصحراء .المعروف عنها أنها مليئة ببساتين النخيل الواسعة والمناظر الطبيعية الصحراوية الجميلة في هذه المنطقة .يمر عليها إغزر أملال
كانت بلدة هيمسونين، أو مشونش، إحدى معاقل المقاومة في منطقة الأوراس خلال السنوات الأولى من الاحتلال الفرنسي. وهي واحة صغيرة تقع على ضفاف الوادي الأبيض، على بُعد نحو 25 كلم من بسكرة، وقد أسهم موقعها وتضاريسها الجبلية الصخرية الوعرة في جعلها ملاذًا مناسبًا للمقاومين.

وفي 4 مارس 1844م، خرج محمد الصغير بن أحمد بن الحاج، المعروف بمحمد الصغير بلحاج، من بسكرة، ولجأ إلى سكان مشونش من قبيلة أولاد أحمد، حيث شرع في تنظيم صفوف المقاومة، والتفّت حوله قبائل أحمر خدو.
وفي ربيع سنة 1844م، وبعد وصول دومال (d’Aumale) إلى بسكرة، عمدت القوات الفرنسية إلى جمع المعلومات حول المنطقة وسكانها، فأرسلت جواسيس يجيدون اللغة العربية إلى مختلف القبائل، لاستطلاع أوضاع السكان والاجتماع بأعيانهم، وجمع الإحصاءات المتعلقة بعدد السكان والمواشي، بما يسهل إحكام السيطرة على المنطقة، فضلًا عن تتبع نشاطات وتحركات محمد الصغير بلحاج. ومن بين أبرز الضباط الذين عملوا في منطقة الزاب، عُرف كل من النقيب نوفو (Neveu)، وديڤو (Desvaux)، وفورنيي (Fournier) بكفاءتهم في تنفيذ هذه المهام.
وبعد أن تمكنت القوات الفرنسية من الاستدلال على مكان وجود محمد الصغير بلحاج، أرسلت فرسانًا من قوم بسكرة باتجاه مشونش. غير أن الثوار تصدوا لهم بوابل من الأعيرة النارية، ما أجبرهم على العودة إلى بسكرة وإبلاغ قائد الحامية بما واجهوه. وفي الليلة الفاصلة بين 11 و12 مارس، أرسل قائد قصبة بسكرة رتلًا عسكريًا بقيادة الرائد ترومبلي (Commandant Tremblay)، وانضم إلى العملية نحو 150 فارسًا من قومية بسكرة. وقد واجهت هذه القوات مقاومة شديدة، إذ كان الثوار يترصدون لها في وسط غابة النخيل، وأسفرت المواجهة عن مقتل جندي فرنسي وأحد فرسان القومية.
وعلى إثر هذه الانتصارات، بادر محمد الصغير بلحاج إلى إعلان الجهاد ودعوة القبائل إلى مقاومة الاحتلال الفرنسي. واستجابت له قبائل الأوراس بالانضمام إلى صفوف المقاومة، ولم يمض وقت طويل حتى اجتمع حوله في مشونش أكثر من 1200 رجل، من بينهم 400 فارس.
وفي 15 مارس 1844م، عادت القوات الفرنسية إلى واحة مشونش للمرة الثانية خلال أسبوع، وهذه المرة بقيادة الدوق دومال (Duc d’Aumale) شخصيًا، على رأس قوة قوامها نحو 2400 رجل و600 فارس.
واندلعت المواجهة بين الطرفين في حدود الساعة الثانية بعد الظهر. وقد تحصن المقاومون في أعالي الجبال الصخرية المحيطة بالبلدة، والتي تميزت بلونها الزهري. وتشير مراسلة أحد ضباط المدفعية الفرنسيين إلى قادته إلى أن القوات الفرنسية لم تتمكن من إحراز نتيجة حاسمة طوال أكثر من أربع ساعات، بسبب شدة مقاومة الثوار.
كما دوّن أحد جنود الزواف (Zouaves) وصفًا لسير المعركة، مشيرًا إلى أن القوات الفرنسية بدأت هجومها على مشونش واستولت على القرية بحراب البنادق، قبل أن يتحصن المقاومون في قلعة التخزين، التي تعرضت لقصف مدفعي بقيادة الدوق مونبونسيي (Montpensier). وأمام شدة القصف، اضطر المقاومون إلى اللجوء إلى جبل صخري شديد الوعورة يصعب تسلقه.
وتمكن المقاومون من صد هجمات جنود الفيلق الأجنبي مرات عديدة، قبل أن تحشد القوات الفرنسية كامل قوتها وتتمكن، تحت قيادة الدوق دومال، من تسلق الجبل الصخري. وقد استمر القتال والمطاردة طوال اليوم، منذ الفجر، ولم تعد القوات الفرنسية إلى خيام معسكرها إلا في حدود الساعة العاشرة ليلًا، بعد يوم طويل من المواجهات، حتى إنها لم تجد وقتًا كافيًا لتناول الطعام.
وأبدى المقاومون خلال هذه المواجهة شجاعة كبيرة، وتصدىوا للقوات الفرنسية رغم محدودية وسائلهم القتالية، مستعينين بما توفر لهم من إمكانات بسيطة، ومنها الحجارة التي أصابت إحداها شقيق الدوق دومال في عينه.
ووفق المعطيات الواردة في الرواية، قُتل خلال المعركة ضابطان وأربعة جنود فرنسيين، وأصيب ستة عشر آخرون، فيما بلغت خسائر الثوار أربعة عشر شهيدًا. كما عجزت القوات الفرنسية عن إلقاء القبض على محمد الصغير بلحاج، قائد المقاومة، بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت تلك الليلة.
واعتقد الفرنسيون في البداية أن محمد الصغير بلحاج قد فرّ خارج الجزائر، وتحديدًا نحو جريد تونس، غير أنه توجه في الواقع إلى حلفائه من قبائل أحمر خدو وأولاد داود. ثم عاد في شهر مايو ليشن هجومًا على قصبة بسكرة، وهي العملية التي أحدثت اضطرابًا في الوجود العسكري الفرنسي بالمنطقة.
وبعد انتهاء معركة مشونش، أقدمت القوات الفرنسية على إحراق غابة النخيل، وتدمير قلعة التخزين، والاستيلاء على ممتلكات المقاومين الفارين. وقبيل مغادرتها البلدة، أجبرت أعيان قبيلتي أولاد أحمد وأولاد زيان على الحضور وطلب الأمان، كما اقتادت عددًا منهم إلى قسنطينة كرهائن.

وهكذا شكّلت مقاومة مشونش سنة 1844م إحدى المحطات البارزة في بدايات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة الأوراس، وجسدت تمسك سكان المنطقة بمقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضهم وحريتهم.